سيد محمد طنطاوي

234

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( عُذْراً أَوْ نُذْراً ) * منصوبان على أنهما بدل اشتمال من قوله * ( ذِكْراً ) * أو مفعول لأجله . أي : أن الملائكة يلقون وحى اللَّه - تعالى - إلى أنبيائه ، لإزالة أعذار المعتذرين عن الإيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ولإنذار الكافرين والفاسقين ، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوقهم . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر ، وبما ذا انتصبا ؟ قلت : هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة ، ومن أنذر إذا خوف على فعل كالكفر والنكر ، ويجوز أن يكون جمع عذير ، بمعنى المعذرة ، وجمع نذير بمعنى الإنذار . . . وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا . . . أو على المفعول له . . « 1 » . وجملة إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ جواب القسم ، وجئ بها مؤكدة ، لتقوية تحقيق وقوع الجواب ، وما وعدوا به هو البعث والحساب . أي : وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين . . وحق الملائكة الذين نرسلهم بوحينا للتفريق بين الحق والباطل ، ولتبليغ رسلنا ما كلفناهم به . . إنكم - أيها الكافرون - لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة الذي لا شك في وقوعه وحصوله وثبوته . ثم بين - سبحانه - علامات هذا اليوم فقال : * ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ) * أي : محقت وذهب ضوؤها ، وزال نورها . يقال : طمست الشيء ، من باب ضرب - إذا محوته واستأصلت أثره ، * ( وإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ ) * أي : شقت أو فتحت ، وتدلت أرجاؤها ، ووهت أطرافها . * ( وإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ ) * أي : اقتلعت وأزيلت من أماكنها . يقال : نسف فلان البناء ينسفه ، إذا قلعه من أصله . * ( وإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) * أي : بلغت وقتها الذي كانت تنتظره ، وهو يوم القيامة ، للقضاء بينهم وبين أقوامهم . فقوله : * ( أُقِّتَتْ ) * من التوقيت ، وهو جعل الشيء منتهيا إلى وقته المحدد له . قال الآلوسي : قوله * ( وإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ) * أي : بلغت ميقاتها . وجوز أن يكون المعنى : عين لها الوقت الذي تحضر فيه للشهادة على الأمم ، وذلك عند مجيء يوم القيامة . . « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 678 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 29 ص 172 .